سيد محمد طنطاوي
142
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : سنقصد يوم القيامة إلى محاسبتكم على أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بما تستحقون ، وسيكون هذا شأننا - أيها الثقلان - في هذا اليوم العظيم . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ ) * مستعار من قول الرجل لمن يتهدده ، سأفرغ لك ، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك ، حتى لا يكون لي شغل سواه ، والمراد : التوفر على النكاية فيه ، والانتقام منه . ويجوز أن يراد ستنتهى الدنيا وتبلغ آخرها ، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله - تعالى - : * ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) * ، فلا يبقى إلا شأن واحد ، وهو جزاؤكم ، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ والأَرْضِ فَانْفُذُوا . . . ) * مقول لقول محذوف ، دل عليه ما قبله . والمعشر - برنة مفعل - اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة فعشرة . وقوله : * ( تَنْفُذُوا ) * من النفاذ بمعنى الخروج من الشيء ، والأمر منه وهو قوله : * ( فَانْفُذُوا ) * مستعمل في التعجيز . والأقطار : جمع قطر - بضم القاف وسكون الطاء - وهو الناحية الواسعة . . والمعنى : سنقصد إلى محاسبتكم ومجازاتكم على أعمالكم يوم القيامة ، وسنقول لكم على سبيل التعجيز والتحدي . يا معشر الجن والإنس ، إن استطعتم أن تنفذوا وتخرجوا من جوانب السماوات والأرض ومن نواحيهما المتعددة . . فانفذوا واخرجوا ، وخلصوا أنفسكم من المحاسبة والمجازاة . . وجملة : * ( لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ) * بيان للتعجيز المتمثل في قوله - تعالى - * ( فَانْفُذُوا ) * ، والسلطان المراد به هنا : القدرة والقوة . أي : لا تنفذون من هذا الموقف العصيب الذي أنتم فيه إلا بقدرة عظيمة ، وقوة خارقة ، تزيد على قوة خالقكم الذي جعلكم في هذا الموقف ، وأنى لكم هذه القوة التي أنتم أبعد ما تكونون عنها ؟ . فالمقصود بالآية الكريمة ، تحذير الفاسقين والكافرين ، من التمادي في فسقهم وكفرهم ، وبيان أنهم سيكونون في قبضة اللَّه - تعالى - وتحت سلطانه ، وأنهم لن يستطيعوا الهروب من قبضته وقضائه فيهم بحكمه العادل .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 47 .